ما حكم استثمار أيام مولد النبي ﷺ للتذكير بسيرته وفضائله ؟

الحمدلله وحده وصلى الله وسلم على سيّدنا محمد وآله،

الجواب على مسألة ما يُعمل في المولد يحتاج إلى تفصيل وتفريق بين صورها، فليس الجواب فيه واحدا.

فمن استثمر بعض الأيام في الشهر الذي وُلد فيه خير البرايا سيّدنا محمد ﷺ للتذكير بسيرته والقِراءة من كتب الشمائل والدلائل والفضائل، وإذكاء عاطفة حبه ﷺ في نفوس المسلمين وتحريك القلوب لفعل الخير، فهو جائز بشرط:

– أن لا يكون مصاحبا للمنكرات كالاختلاط المذموم

– أن يكون من غير غلو

– ولا اعتقاد بعض الخرافات

– ومن غير اعتقاد أجر خاص لهذا اليوم

وإنما هو من باب استثمار هذا التاريخ العظيم والحدث الجليل بمولد من أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور الذي هو من أعظم الأحداث على الإطلاق في تاريخ البشرية واستحضار هذا في النفوس، كما يستحضر الخطباء غيره من الأيام والأحداث في السيرة مع ذكر الفوائد المستفادة منها كالحديث عن الهجرة في بداية السنة الهجرية، وكيوم بدر في السابع عشر من رمضان، ويوم فتح مكة في العشرين منه وغيره من الأيام.

فذكرى المولد النبوي ينتقل بهذه الشروط من البدعة المحرمة إلى المصلحة المرسلة المباحة.

فهو إن أقيم بهذا الغرض لتعريف المسلمين بنبيهم وجعله وسيلة لتذكير وبيان قدره وفضله وربطهم به وبسنته وذكر الدلائل والشمائل وتجديد محبته في القلوب وشكر الله على نعمة إرساله للنبي ﷺ من غير اعتقاد أنه عبادة مقصودة لذاتها وأنه ليس له فضيلة خاصة من جهة الأجر، فهو أمر حسن مستحب.

وهذه الصورة استحسنها مئات العلماء، بل كثير من القصائد والكتب المختصرة في السيرة التي ألفها العلماء كانت بقصد أن تُقرأ في هذه الأيام بالمساجد وعلى الناس. وممن صنف بها القصد على سبيل المثال من علماء الحنابلة: ابن عبد الهادي والمرداوي وابن بدران والطوفي،

ومن الشافعية: الحافظ ابن كثير والعراقي، وابن ناصر الدين الدمشقي، والسخاوي، وابن الجزري، والسيوطي،

ومن المالكية: ابن دحية السبتي، وابن القطان الفاسي، وأبو العباس السبتي والملا علي القاري من الحنفية.

وهؤلاء كلهم من كبار علماء الأمة في الفقه والقراءات والحديث. وقد اعتنى بجمع الكتب التي ألفت بقصد المولد العلامة عبد الحي الكتاني رحمه الله في كتاب اسماه ( التعريف بما أفرد بالتأليف في المولد الشريف) وذكر أزيد من 120 تأليف، وذكر بعض الباحثين المعاصرين 272 عنوان كتاب لهذا الغرض.

وقد حكم هؤلاء العلماء وغيرهم بأن إظهار الفرح والسرور، وذكر سيرته الشريفة الزكية، والإكثار من الصلاة على رسول الله ﷺ، وإطعام الطعام، والاجتماع لدروس العلم، ونحو ذلك في هذه الأيام من الأمور الحسنة.

ولابد من التأكيد أن هذه المناسبة تتخذ لاستثمار وقت الحدث من أجل تحقيق مصلحة شرعية وأنه ليس عيدا كالفطر والأضحى، مع إنكار الاعتقادات والأقوال والأفعال المقطوع ببطلانها التي تنتشر في هذه الأيام.

ولا حرج على من امتنع عن إقامة شيء من هذا امتناعا مطلقا من باب ما قد يحصل فيه من منكرات، ولكن بشرط أن لا يبالغ في الانكار ويتهم غيره بالضلال ويشدد على من أباحه بهذه الشروط، فالاختلاف في هذا سائغ جائز ما دام ملتزما بتلك القيود.

وذلك لأن الصورة التي استنكرها كثير من العلماء ومنهم الإمام ابن تيمية رحمه الله هي فيما اذا خص هذا اليوم باعتقاد خاص من جهة الأجر واعتبارها عبادة في نفسها.

والتوسط حسن بين من غلا وتعسّف في منعه وشدّد على الناس، وبين من أطلق جوازه بدون قيد ولا شرط (ولا يوجد من يقول بهذا من العلماء)، فمن فعله كما كان يصنع الفاطميون الشيعة وبعض غلاة المتصوفة من مظاهر سلبية فهو منكر ولا يستريب فيه عالم، وإن كان اجتماعا على العلم والذّكر ومدح رسول الله ﷺ فهو حسن في أظهر قولي العلماء.

فخلاصة هذا: أن عمل المولد ينقسم إلى قسمين اثنين:

• الأول: وهو الذي لا خلاف فيه بين العلماء: أن عمل مولد يشتمل على محرمات ومنكرات، فهذا محرم باجماع أهل العلم كما نقله الإمام ابن تيمية والفاكهاني المالكي.

• والثاني: عمل مولد يُقتصر فيه على الطعام والذكر والتذكير فهذا الذي اختلف فيه أهل العلم اختلافا سائغا على ثلاثة أقوال:

– الأول: جواز إقامته بشرط أن لا يشتمل على مُنكر.

– الثاني: أنه مكروه غير جائز ولا محرم.

– والثالث: أنه محرم لا يجوز فعله.

فمن رأى مشروعيته فله وجه ومن رأى عدمَ مشروعيتِه فله وجه.

وليس غرضي من هذا المقال أن أفتح بابا للنقاشات الماراثونية والتراشقات السنوية التي تزيد المسلمين فرقة وتملأ قلوبهم كرها وحقدا، بل لتوضيح صوره، والتفريق بين المحمود والمذموم منه وترشيد الخلاف وعدم توسيعه سعيا للحفاظ على تآلف المسلمين وجمع الكلمة وإزالة الفرقة ولم الشّعث.

ومن اقتنع بشيء تبعا لعالم يثق فيه فلا ينبغي عليه أن يتهم غيره بانحرافه عن الدين، فشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم)، مع حكمه على المولد بأنه غير مشروع؛ إلا أنه عذر مقيميه بل اعتقد حصول الأجر العظيم لهم لنية المحتفل. وبيّن أن أعمال الناس قد يختلف الحكم عليها من شخص لآخر حسب سياقه. فقال رحمه الله :

«فتعظيم المولد ، واتخاذه موسما، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم ؛ لحسن قصده ، وتعظيمه لرسول الله ﷺ. كما قدمته لك : أنه قد يحسن من بعض الناس، ما يستقبح من المؤمن المسدد»

وفعل بعض المسائل التي قد يختلط فيه المشروع بشيء البدعة خير من الإعراض الكامل، قال ابن تيمية:

«واعلم أن من الأعمال ما يكون فيه خير، لاشتماله على أنواع من المشروع، وفيه أيضًا شر، من بدعة وغيرها، فيكون ذلك العمل خيرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من أنواع المشروع، وشرًا بالنسبة إلى ما اشتمل عليه من الإعراض عن الدين بالكلية. »

وقال: «وكثير من المنكرين لبَِدَعِ العبادات والعادات ، تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة.»

ولذلك يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني:

«أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن، وجنب ضدها، كان حسنا، وإلا فلا.»

(الحاوي للفتاوي)

ومن المذموم أن ينشط الإنسان في موسم معين ويحرص عليه بقوة ثم يفتر باقي العام عن سنته وسيرته ﷺ.

ولذا فينبغي أن تحرص المراكز والمؤسسات الإسلامية في أيام السنة كلها على إعداد برامج ودروس وندوات لجميع الناس والفئات العمرية كل بطريقته المناسبة وبشتى الوسائل للتذكير والتعريف به وبقدره ﷺ.


قد يقول سائل كيف بشيء لم يفعله الصحابة والتابعون أن نفعله نحن؟ هل نحن أشد حبا للنبي ﷺ منهم ؟!

أولا: ترك الصحابة لشيء ليس دليلا على المنع، لأنهم رضي الله عنهم لم يفعلوا كل مستحب ولا كل مباح. فالترك ليس دليلًا يركن إليه كما قرره علماء الأصول، فلا حظر ولا منع إلا: إن نص الشارع على النهي، أو أتى نص يذم الفاعل، وإذا فُقد الأمران، مع دخول الأمر في أصل من الأصول أو قاعدة من القواعد التي دلت عليها الشريعة، وخلا من مفسدة وضرر في الدين والدنيا، واشتمل على مصلحة عامة محققة. = خرج من البدعية وصار أمرا حسنا يثاب فاعلها ويؤجر عليها. قال العلامة اليعقوبي المالكي:

فلا يُقالُ كلّ ما السلفُ لمْ :: يفْعَله بدعةً قبيحة تُذمْ

ثانيا: هذا السؤال قد يكون صحيحا على من اعتقد المولد عبادة في ذاتها وجعل لها فضلا خاصا، فهذا الاعتقاد قد يجعلها بدعة لأن تحديد الأجر لذات الشيء يحتاج إلى دليل، أما من اعتقده مصلحة مرسلة وعادة تُعمل بنية التعريف به وتحريك القلوب إليه ﷺ، فلا يكون لهذا السؤال معنى !

وذلك لأن المصلحة المرسلة دليل بذاته، ولا يلزم فيها الورود عن السلف، وما زال اهل الاسلام يعملون لتيسير الطاعات وما يتوصل به لإقامة الدين بدليل المصلحة المرسلة وإن لم يرد فيه شيء عن السلف، وبهذا الدليل أقيمت كذلك الجامعات الإسلامية والمدارس الشرعية والكتاتيب القرآنية والحلقات التعليمية وصنفت الكتب وجعلوا العلم في منظومات يحفظها الطلاب وبُنيت المآذن لإيصال الأذان والدلالة على المساجد.

ثالثا: كثير مما لم يفعله السلف لم يكن هناك داع لفعله، وهذا لرفعة حالهم في الإيمان وما يذكرهم بالله، وأئمة الإسلام لما لاحظوا ضعف إيمان الناس مقارنة مع السلف أجازوا بعض الأفعال في حقهم مع ترك الأوائل لها، لأنهم أحوج إلى ما يذكرهم بالله ورسوله وربطهم بالدين وتجديد تعلقهم بالإسلام بشتى الوسائل المختلفة، وإلا للزمنا القول بمنع مسابقات القرآن والمسابقات الدينية على سبيل المثال.

رابعا: هذا من باب الوسائل التي قاعدته: الوسائل تتبع حكم المقاصد، فإن كان المقصد حسنا كانت الوسيلة مستحسنة وإلا فلا.

والله تعالى أعلم

 03/03/1443 هـ

10/10/2021م

المقال بالهولندية

الشيخ إلياس الرشيد اليوسفي

To top